الشيخ علي المشكيني

245

رسائل قرآنى

وقوله تعالى : مَّا أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السَّمواتِ وَالْأَرْضِ « 1 » . وقوله تعالى : أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ « 2 » . وقوله تعالى : وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ « 3 » . [ الأمر ] الثاني : في توضيح المعنى الثاني . وبيانه أنّ الشهادة على قسمين : تكوينيّة ، وإنشائيّة . والأُولى : كون الشيء دالّاً على أمر وشاهداً عليه بمقتضى خلقته وطبعه . والثانية : هو الإقرار بالشيء والإخبار عنه باللفظ والكلام . فالأُولى كما في قوله تعالى : وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذَا غَافِلِينَ « 4 » . والمعنى أنّ اللَّه أخرج نسل بني آدم وذريّته الأبناء من أصلاب الآباء قرناً بعد قرن ، فأشهدهم على التوحيد ؛ فإنّ إقامته تعالى دلائل التوحيد في الآفاق وفي أنفسهم إشهاد تكويني ، وما ركب في عقولهم من استعداد إدراك الحقّ والإذعان به شهادة تكوينيّة منهم وإقرار على التوحيد ؛ فكأنّ اللَّه تعالى قال لهم : ألست بربّكم ؟ وكأنّهم قالوا : بلى ، شهدنا . وأمّا الثانية : فبيانها أنّ الشهادة كما أنّها من الأُمور الأصليّة التي يعتمد عليها العقلاء في أُمورهم الدنيويّة ، فهي من الحقائق الراهنة المعمول بها في عالم القيامة أيضاً ، ويترتّب عليها في ذلك اليوم فصل الأُمور وقطعها ، والقضاء بين الناس ، وقطع الدعاوي . ومن الآيات الدالّة على هذا القسم من الشهادة على أقسام : منها : ما يدلّ على شهادة اللَّه تعالى وملائكته في الدنيا بالتوحيد وسائر صفاته تعالى ، وشهادته تعالى بأفعال عباده ، بل وبكلّ شيء .

--> ( 1 ) . الكهف ( 18 ) : 51 . ( 2 ) . البقرة ( 2 ) : 133 . ( 3 ) . النور ( 24 ) : 2 . ( 4 ) . الأعراف ( 7 ) : 172 .